محمد جواد مغنية

392

في ظلال نهج البلاغة

المغفرة تماما كما يجد أحدهم الوقت الكافي لطلب الرضا ممن يبتغي مرضاته والقرب منه ( وكشف عنهم سدف الريب ) عطف تفسير على قوله : « وهدوا سبيل المنهج » لأن الهداية إلى الطريق الواضح والكشف عن ظلمة الشك والجهل بمعنى واحد ( وخلَّوا لمضمار الجياد ) وهي الخيل ، والمعنى انه تعالى أفسح المجال في الدنيا لعباده - كما يفسح المضمار للخيل - كي يستبقوا الخيرات قبل الممات ( وروية الارتياد ) . وأيضا أفسح لهم المجال كي يفكروا ويتدبروا فيما ينبغي أن يطلب ويراد ، وهو الخلاص من العقاب والعذاب ( وأناة المقتبس المرتاد ، ومضطرب المهل ) . قال الشيخ محمد عبده : « المقتبس المرتاد أي الذي أخذ بيده مصباحا ليرتاد على ضوئه شيئا غاب عنه ، ومثل هذا يتأنى في حركته خوف أن يطفأ مصباحه ، وخشية أن يفوته في بعض خطواته ما يفتش عليه لو أسرع ، فلذا ضرب المثل به ، والمضطرب مدة الاضطراب أي الحركة في العمل » . ( فيا لها - إلى عازمة ) . يقول الإمام ( ع ) : بثثت لكم من المواعظ ما لو صادفت قلوبا طيبة لآتت أكلها الطيب في كل حين ، ومن البداهة أن البذر الصالح لا يجدي شيئا إذا زرع في أرض خبيثة : * ( والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُه بِإِذْنِ رَبِّه والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) * - 58 الأعراف . وقال الإمام في خطبة ثانية : قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم ، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستمعوا . ( فاتقوا اللَّه تقية من سمع - الموعظة - فخشع ) للَّه وحده ، أما من يخشع ويخضع لعبد مثله فهو ذليل وحقير ، ومجرم آثم ( واقترف فاعترف ) . اكتسب إثما فندم وتاب ( ووجل فعمل ) لأن من خاف من شيء ظهر خوفه في عمله ( وحاذر فبادر ) عطف تفسير على وجل فعمل ( وأيقن فأحسن ) أي فهم الحق والدين على وجهه ، وأحسن في العمل به ( وعبّر - إلى - فرأى ) . هذه الجمل السبع ترجع كلها إلى معنى واحد ، وهو وعظ فاتعظ ، وكما يكون الوعظ بآية أو رواية أو حكمة يكون أيضا بالتجارب ، بل هي أنفع وأبلغ ، ومن لا ينتفع بها فهو مجرم أصيل ، أو قاصر عليل . ( فأسرع طالبا ، ونجا هاربا ) . هرب من المحرمات ، وسارع إلى الواجبات ، فنجا وسلم ( فأفاد ذخيرة ) ليوم تبلى فيه السرائر ، وتذخر فيه الذخائر ( وأطاب